ابن الجوزي

72

صيد الخاطر

ونكاح المرأة المحبوبة يستفرغ الماء المجتمع ، فيوجب نجابة الولد وتمامه ، وقضاء الوطر بكماله ، ومن خاف وجود الغيرة فعليه بالسراري فإنهن أقل غيرة ، والاستظراف لهن أمكن من استظراف الزوجات ، وقد كان جماعة يمكنهم الجمع وكان النساء يصبرن فكان لداود عليه الصلاة والسلام مائة امرأة ، ولسليمان عليه الصلاة والسلام ألف امرأة ، وقد علم حال نبينا صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وقد كان لأمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه أربع حرائر وسبع عشرة سرية . وتزوج ابنه الحسن رضي اللّه عنه بنحو من أربعمائة « 1 » إلى غير هذا مما يطول ذكره . فافهم ما أشرت اليه تفز به ان شاء اللّه تعالى . 29 - كل ذنب له عقوبة كل شيء خلق اللّه تعالى في الدنيا فهو أنموذج لما في الآخرة ، وكل شيء يجري فيها أنموذج ما يجري في الآخرة . فأما المخلوق منها فقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء . وهذا لأن اللّه تعالى شوق بنعيم إلى نعيم ، وخوف بعذاب من عذاب ، فأما ما يجري في الدنيا فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل وكل مذنب ذنبا ، وهو معنى قوله تعالى : « مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ » . وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله فظن أن لا عقوبة ، وغفلته عما عوقب به عقوبة ، وقد قال الحكماء : « المعصية بعد المعصية عقاب المعصية ، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة » ، وربما كان العقاب العاجل معنويا كما قال بعض أحبار بني إسرائيل : « يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني » فقيل له : « كم أعاقبك ولا تدري ، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي ؟ » . فمن تأمل هذا الجنس من المعاقبة وجده بالمرصاد ، حتى قال وهب بن الورد : وقد سئل أيجد لذة الطاعة من يعصي ؟ فقال : « ولا من همّ » « 2 » . فرب شخص أطلق بصره فحرم اعتبار بصيرته ، أو لسانه فحرم صفاء قلبه :

--> ( 1 ) ما رواه عن داود وسليمان من الإسرائيليات التي لم تصح وما فعله الحسن أنكره عليه أبوه . ( 2 ) يرد هذا ، هم يوسف ، وقصة الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار ، وحديث السبعة الذين هم في ظل العرش .